عام

نشر أحد الإخوة مقالا جاء فيه: سُئل الشيخ العالم "محمد أبيض الوجه البكري الصديقي" ذات مرة: لم كان في أهل مكة قسوة القلوب, وفي أهل المدينة لينها ؟ فقال: لأن أهل مكة جاوروا الحجر, وأهل المدينة جاوروا البشر. ويعني بالحجر: الكعبة, والبشر: رسول الله صلى الله عليه وسلم .السؤال: هل يجوز تشبيه بيت الله الحرام بالحجر، وأن مجاورته تقسي القلب؟هل أخطأت حين طلبت منهم حذفها لأني استنكرتها حتى نتثبت منها؟

رقم الفتوى: 210280
دلالات الفتوى:# المدينة# جاوروا# انتهى# النبي# التِّرْمِذِيّ

الإجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فهذا السؤال نقله العيدروس في كتابه: (النور السافر عن أخبار القرن العاشر) عند ترجمة محمد البكري الصديقي الشافعي حيث قال: وسئل رضي الله عنه: لم كان في أهل مكة قسوة القلب، وفي أهل المدينة لينها؟ فقال: لأن أهل مكة جاوروا الحجر، وأهل المدينة جاوروا البشر . انتهى. فظاهر كلامه أنه أراد بالحجر الكعبة، وبالبشر النبي صلى الله عليه وسلم. والمحظور في هذا الكلام - إن كان ذلك هو المراد به - أن ظاهره أنه جعل الكعبة حجرا يقسو قلب من جاوره. وكيف يصح ذلك وقد طهر الله البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود، وجعل قيام دين الناس وتمام إسلامهم بتعظيمه، فقال سبحانه: { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }. وقال تعالى: { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ }. قال العلامة السعدي -رحمه الله- في تفسيره: يخبر تعالى أنه جعل { الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ }. يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم - من أجله - الأهوال. ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون، ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية . انتهى. وهي مع ذلك في أحب البقاع إلى الله تعالى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: وَاَللَّه إِنَّك لَخَيْر أَرْض اللَّه، وَأَحَبّ أَرْض اللَّه إِلَى اللَّه، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَ النَّسَائِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ حَدِيث حَسَن صَحِيح . ولا شك أن خيرية الأرض مؤثرة في القلب ولينه، وقربه من ربه، وتعظيمه شعائره. قال الدهلوي في حجة الله البالغة: إنما فضل مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم، والمسجد الحرام بمضاعفة الأجر لمعان، منها: أن هنالك ملائكة موكلة بتلك المواضع يحفون بأهلها ويدعون لمن حلها. ومنها: أن عمارة تلك المواضع من تعظيم شعائر الله وإعلاء كلمة الله. ومنها: أن الحلول بها مذكر لحال أئمة الملة . انتهى. وبناء على ما سبق يعلم أن طلبك - حذف ذلك الكلام - صواب. والله أعلم.

فتاوى ذات صلة