من الذي أخبر السيدة عائشة -رضي الله عنها- بالحديث الذي دار بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وملك الموت؟علمًا بأني قرأت هذا الحديث: وهو (دخل الملك جبريل على النبي وقال: ملك الموت بالباب، ويستأذن أن يدخل عليك، وما استأذن من أحد من قبلك، فقال له: ائذن له يا جبريل ودخل ملك الموت وقال: السلام عليك، يا رسول الله أرسلني الله أخيرك بين البقاء في الدنيا وبين أن تلحق بالله فقال: النبي صلى الله عليه وسلم، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، فوقف ملك الموت عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أيتها الروح الطيبة، روح محمد بن عبد الله، أخرجي إلى رضى من الله ورضوان ورب راض غير غضبان).
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن قصة احتضار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووفاته.. كل ذلك مروي في كتب السيرة ودواوين السنة.
وملخص ذلك أنه في فجر الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، وبينما الناس في صلاتهم، خلف
أبي بكر
-كما أمر بذلك -صلى الله عليه وسلم- إذ بالستر الفاصل بين حجرة
عائشة
والمسجد يرفع، وبرز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة فتبسم.. فرجع
أبو بكر
إلى الصف، ظناً منه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يخرج إلى الصلاة.. وكاد المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.. وانصرف الناس بعد الصلاة وهم يظنون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد شفي وعوفي من مرضه، ولكن تبين أنها كانت نظرة تفقد ووداع.
فعاد -صلى الله عليه وسلم- إلى فراشه واستند على
عائشة
-رضي الله عنها-، وجعلت تتغشاه سكرات الموت.. قالت
عائشة
فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول:
لا إله إلا الله إن للموت لسكرات
. وكانت
فاطمة
-رضي الله عنها- إذا رأت منه ذلك قالت:
واكرب أباه!
فيقول لها -صلى الله عليه وسلم-:
ليس على أبيك كرب بعد اليوم
.
كل هذا جاء في
البخاري
،
و
مسلم
، وغيرهما بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة.
وفي الموطأ أن آخر ما تكلم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن قال:
قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب
.
وقيل: كانت عامة وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- حين حضرته الوفاة:
الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم
.
رواه
النسائي
،
و
البيهقي
،
و
أحمد
.
وعن
عائشة
-رضي الله عنها- قالت:
كنا نتحدث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يموت حتى يخيَّر بين الدنيا والآخرة قالت: فلما كان مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي مات فيه، عرضت له بحة، فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. فظننا أنه كان يُخيَّر
. رواه
البيهقي
. قال
ابن كثير
في البداية:
وأخرجاه من حديث شعبة
.
وعنها -رضي الله عنها- قالت:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير. قالت: فلما نزل برسول الله -صلى عليه وسلم- ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت وقال: اللهم الرفيق الأعلى. فعرفت أنه الحديث الذي كان حدثناه وهو صحيح، وهو: أنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير. قالت: فقلت إذاً لا يختارنا
.
وقالت:
كانت تلك الكلمة الأخيرة التي تكلم بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الرفيق الأعلى
. قال
ابن كثير
في البداية:
أخرجاه من طريق الزهري عن عائشة
.
وروى
النسائي
عن
عائشة
قالت:
أغمي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء، فقال: لا. بل الرفيق الأعلى
.
وروى الإمام
أحمد
عن
عائشة
قالت:
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم ترد إليه، فيخير بين أن ترد إليه وبين أن يلحق. فكنت أحفظ ذلك منه، وإني لمسندته على صدري، فنظرت إليه حين مالت عنقه فقلت: قد قضى، فعرفت الذي قال، فنظرت إليه حين ارتفع فنظر، قالت: إذاً والله لا يختارنا، فقال: مع الرفيق الأعلى في الجنة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً
. قال
ابن كثير
:
تفرد به أحمد ولم يخرجوه
.
والحاصل أن تخييره -صلى الله عليه وسلم- في البقاء في الدنيا ولقاء ربه -سبحانه وتعالى- ثابت بأحاديث كثيرة، منها ما هو في الصحيحين، ومنها ما هو في غيرهما بألفاظ مختلفة.
وأما اللفظ الذي ذكره السائل الكريم فلم نقف عليه.
والله أعلم.