الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد سبقت لنا فتاوى في التصوف والصوفية قديما وحديثا، راجع منها الفتوى رقم:
149877
.
وأما عن هذه المصطلحات المذكورة: فهي مقامات ومصطلحات عند القوم ـ أهل التصوف ـ وهي وإن كانت متقاربة المدلول إلا أن بينها في الحقيقة وجه فرق، أما المشاهدة: فهي مقام حاصل من معاينة آثار أسمائه وصفاته تعالى في الكون، بحيث يترتب عن ذلك تنور القلب وتعلقه بالرب، وهذه المنزلة هي التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام:
أن تعبد الله كأنك تراه
ـ فهي رؤية حكمية، وهي مقام فوق المراقبة، والتي هي العلم واليقين باطلاع الحق سبحانه على ظاهر العبد وباطنه، وهي التي قال فيها عليه الصلاة والسلام:
فإن لم تكن تراه فإنه يراك
ـ قال الحافظ
ابن رجب
رحمه الله: يتولد عن هذين المقامين:
الأنس بالله والخلوة لمناجاته وذكره واستثقال ما يشغل عنه من مخالطة الناس والاشتغال بهم، فمنزلة المراقبة إذا تحققت في العبد حصل له الأنس بالله تعالى، ومنزلة المشاهدة أعلى وأجل
.
قال الشيخ
صالح آل الشيخ
:
وأعلى منه ـ يقصد مقام المراقبة ـ لأهل العلم مقام المشاهدة، وهو الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّك تَرَاهُ ـ وهذه المشاهدة المقصود بها مشاهدة الصفات لا مشاهدة الذات، لأن الصوفية والضُّلال هم الذين جعلوا ذلك مدخلا لمشاهدة الذات ـ كما يزعمون ـ وهذا من أعظم الباطل والبهتان، وإنما يمكن مشاهدة الصفات
. اهـ
أما المكاشفة: فهي اليقين، وهي عَلَى ثلاثة أوجه: مكاشفة بالإخبار، ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان، ويطلقها القوم أيضا علما قسيما لعلم المعاملة، قال
الغزالي
في كتابه أصناف المغرورين:
العلم علمان: علم معاملة وعلم مكاشفة، وعلم المكاشفة وهو العلم بالله تعالى وبصفاته..
وقال في إحياء علوم الدين:
فاعلم أنه قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة، فالقسم الأول علم المكاشفة وهو علم الباطن وذلك غاية العلوم.
وأما التجلِّي فهو: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، وقد سبق أن بينا عنه أكثر في الفتوى المحال عليها آنفا.
وأما اطلاع الأولياء على ما في اللوح المحفوظ، فقد بينا في الفتوى رقم:
5697
، بطلان تلك الدعوى فراجعها.
وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة بعد موته: فقد بينا أيضا في الفتوى رقم:
9991
، ما لأهل العلم فيها، وبينا أن الراجح الذي جزم به المحققون من أهل العلم أنها غير ممكنة، وذكرنا تأويل ما يحتملها من ظواهر الأدلة.
والله أعلم.