ما تفسير الآيات من سورة سبأ الآية 51 حتى الآية 54؟ وهل ستقع في الآخرة أم في الدنيا؟ وإذا كان في الآخرة، فما معنى قوله تعالى: ويقذفون بالغيب من مكان بعيد؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
يقول تبارك وتعالى:
وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ
[سبأ :51]. أي: ولو ترى يا محمد إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة ولا مفر لهم، ولا ملجأ، بل يؤخذون لأول وهلة من مكان قريب من قبورهم التي بعثوا منها:
وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ.
أي: يقولون يوم القيامة آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله:
وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
[سـبأ:52]. التناوش: التناول، والمقصود هنا من الاستفهام هو استبعاد قبول الله إيمانهم في يوم القيامة، لأنها دار جزاء لا دار اختبار وابتلاء، والمقصود بالمكان البعيد هنا: الدنيا، لأنها الدار التي يقبل الله فيها الإيمان، وقد بعدت عنهم، فبعد معها إمكان قبول الله توبتهم:
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
[سـبأ:53]، أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل؟:
وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
[سـبأ:53]، أي: يقولون تخميناً وظناً: لا بعث ولا جنة ولا نار، ويقولون عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: شاعر تارة، وساحر تارة، وكاهن تارة، كل ذلك بمجرد الظن:
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ
[سـبأ:54]، أي: حيل بينهم وبين لذات الدنيا شهواتها، وحيل بينهم وبين التوبة إذ لا يقبلها الله بعد الموت:
كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْل
[سـبأ:54]، أي: كما فعل الله بالأمم السابقة لما كذبوا الرسل:
إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ
[سـبأ:54]، أي: كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يتقبل الله منهم الإيمان عند معاينة العذاب.
والله أعلم.