الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن نزول دم كثير من الصائم بسبب جرح أو غيره حكمه حكم الحجامة، والصحيح من أقوال أهل العلم أنها لا تفطر، وهو قول الأئمة الثلاثة
مالك
و
الشافعي
و
أبي حنيفة
، واحتجوا لذلك بما رواه
البخاري
في صحيحه عن
ابن عباس
-رضي الله عنهما-:
أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم
. قال الحافظ
ابن حجر
-رحمه الله- في الفتح 4/
226:
والحديث صحيح لا مرية فيه، قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي
. انتهى كلام الحافظ رحمه الله.
وذهب الإمام
أحمد
-رحمه الله- إلى أن الحجامة تفطر، محتجاً بحديث
شداد بن أوس
-رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
أفطر الحاجم والمحجوم
. رواه
أبو داود
و
ابن ماجه
و
الدارمي
وغيرهم. وهو حديث صحيح. ولكن قد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص بالحجامة للصائم.
قال
ابن حزم
:
صح حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، ولكن وجدنا من حديث أبي سعيد: " أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم" وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجماً أو محجوماً
. راجع فتح الباري: 4/
227.
وما قاله
ابن حزم
من نسخ حديث أفطر الحاجم والمحجوم هو قول
ابن عبد البر
-كما تقدم- وهو الذي سبق إليه
الشافعي
، ومن أهل العلم من تأول الحديث بأنواع من التأويل مذكورة في شروح الحديث، قال الحافظ:
ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه أبو داود عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه.
إسناده صحيح. اهـ.
والله أعلم.