الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد ارتكبت أيتها السائلة جملة من كبائر الإثم والفواحش؛ أولها إقامة علاقة مع هذا الشاب الأجنبي عنك، فهذه العلاقات لا يخفى على مسلم أنها في شرع الله محرمة أشد تحريم، وهي الباب الأوسع والسبيل الأيسر لضياع الدين والدنيا.
ثم بعد ذلك أخطأت عندما ذهبت إلى هذا الشاب بعد أن طردك أبوك – غفر الله له - من البيت، وكان عليك أن تذهبي إلى بعض محارمك من أخ أو عم أو خال أو جد ونحو ذلك.
ثم أخطأت بارتكابك جريمة الزنا التي نهى الله عنها وحذر منها قال سبحانه:
وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا
{الإسراء: 32}، ثم أخطأت بعد ذلك عندما تزوجت من غير ولي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا تزوج المرأة المرأة، و لا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها
. رواه
ابن ماجه
وصححه
الألباني
. ثم أخطأت برجوعك مرة أخرى إلى الشاب الأول تمارسين معه الفاحشة، فهذه أيتها السائلة بعض أخطائك وهي كما ترين ظلمات بعضها فوق بعض، نسأل الله أن يوفقك للتوبة والإنابة وأن يفتح لك أبواب القبول والإجابة، ومع ذلك أبشري بقبول الله لك إن أنت أقبلت إليه تائبة فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
وقد أخطأ أبوك خطأ عظيما عندما طردك من البيت، فهذا لا يجوز له أبدا مهما كان منك، بل كان الواجب عليه أن يحوطك بالرعاية والحفظ والتربية، لا أن يخرجك إلى الشارع فريسة سهلة لكل شيطان مريد، وليت شعري ما الذي أنساه إياك كل هذه الفترة حتى غشيك من البلاء ما غشيك، وأصابك من السوء ما أصابك، وأين أرحامك وذوو قرابتك من الإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات بل وأين أمك؟ هداهم الله جميعا وغفر لهم، فقد ضيعوا الأمانة وقطعوا الرحم التي أوجب الله صلتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والذي يجب عليك الآن هو أن تتركي هذا الشاب فورا، وأن ترجعي إلى بيتك، فإن لم تستطيعي الرجوع إلى أبيك فارجعي إلى بعض أرحامك، واطلبي منهم أن يرجعوك إلى أبيك، ومهما هددك هذا الشاب بفضحك أو إيذائك فلا تلتفتي إليه.
وأما هذه البنت المولودة التي قد ذكرت أنها من هذا الشاب وليس من الزوج، وعلى هذا فهي بنت زنا تنسب إليك ولا تنسب إلى الزاني، لأن ماء الزنا هدر لا يثبت به النسب، ولكن إذا استلحقها هذا الزاني به فإنها تلحقه وتنسب إليه على ما ذهب شيخ الإسلام
ابن تيمية
ورجحه
ابن القيم
, واشترطوا لذلك ألا تكون المرأة فراشا (متزوجة)، ولا ينازعه الولد أحد، أما إذا كانت متزوجة فإن الولد لا يلحق الزاني ولو استلحقه ؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وإذا صحت توبتك وكنت صادقة في الرجوع إلى الله سبحانه، وتاب أيضا هذا الشاب من فعلته وندم على إسرافه وتضييعه وانتهاكه لحرمات الله، فقد يكون الحل في هذه الحالة أن يتزوجك، وينسب الولد له، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك مستدلين بما روي من أن رجلاً زنى بامرأة في زمن
أبي بكر الصديق
رضي الله عنه فجلدهما مائة جلدة ثم زوج أحدهما من الآخر مكانه(أي في الحال)، وبما روي عن
ابن عباس
من أنه قال في مثل هذا:
أوله سفاح وآخره نكاح.
وروى
علي بن عاصم
عن
أبي حنيفة
أنه قال:
لا أرى بأسا إذا زنى الرجل بالمرأة فحملت منه، أن يتزوجها مع حملها، ويستر عليها، والولد ولد له.
وللفائدة تراجع الفتاوى التالية:
3150
،
59693
،
19095
.
والله أعلم.