الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن الدعوة للإسلام ليست خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، بل يشرع لجميع أتباع النبي صلى الله عليه وسلم القيام بها حسب استطاعتهم،عملا بقوله تعالى:
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
{ يوسف :
108 } ولقوله تعالى:
ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
{النحل:
125}
ويشرع دعوة الكافر عند احتضاره، وليس ذلك خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويدل لذلك أمره صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله :
لقنوا موتاكم لا إله إلا الله
. رواه
مسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند موته:
يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله .
رواه
البخاري ومسلم
.
وقد روى
أحمد وأبو يعلى
عن
أنس:
أن النبي صلى الله عليه وسلم
دخل على رجل من بني النجار يعوده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خال قل: لا إله إلا الله
. صححه
الأرناؤوط
و
حسين
أسد
.
وأما التوفيق بين الآيات والحديث فجوابه أن الغلام لم يبلغ درجة الغرغرة والله تعالى يقبل توبة كل من المسلم والكافر إذا تاب توبة صادقة قبل الغرغرة، ففي الحديث: إ
ن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر
، رواه
الترمذي.
وقال الله تعالى:
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً
{النساء:17}.
قال
الحسن البصري
:
ما لم يغرغر،
وقال
عكرمة
:
الدنيا كلها قريب
. وقال
الضحاك
:
ما كان دون الموت فهو قريب.
ومما يدل على قبول صحة إسلام الكافر عند الموت قبل الغرغرة ما رواه
ا
لبخاري
وغيره عن
أنس
قال:
كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه يعوده فقعد عند رأسه فقال: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار
.
و فرعون لم ينفعه النطق بالتوحيد في اللحظة التي قاله فيها، لأن إيمانه كان عند رؤية العذاب وحضور الموت والوقوع في النزع والغرغرة كما قال
ابن الجوزي
في تفسيره:
قال ابن عباس لم يقبل الله إيمانه عند رؤية العذاب. قال ابن الأنباري جنح فرعون إلى التوبة حين أغلق بابها لحضور الموت ومعاينة الملائكة فقيل له ( آلآن ) أي الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها وكنت من المفسدين بالدعاء إلى عبادة غير الله عز وجل ..
.اهـ
وقال
ابن كثير
في تفسيره
:....تراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، فآمن حيث لا ينفعه الإيمان، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون
. اهـ
وقال
الشوكاني
في تفسيره :
ولم ينفعه هذا الإيمان أنه وقع منه بعد إدراك الغرق كله كما تقدم في النساء ، ولم يقل اللعين آمنت بالله أو برب العالمين ، بل قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، لأنه بقي فيه عرق من دعوى الإلهية . قوله : وأنا من المسلمين: أي المستسلمين لأمر الله المنقادين له الذين يوحدونه وينفون ما سواه ...
.اهـ
وقال
البغوي
في تفسيره:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات، يعني : المعاصي حتى إذا حضر أحدهم الموت، ووقع في النزع ، قال إني تبت الآن وهي حالة السوق حين تساق روحه ، ولا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة ، قال الله تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ( غافر - 85 ) ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق
.
والله أعلم.