الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا تعارض بين الآيتين الكريمتين ، فقد قال أهل التفسير في معنى الآية الأولى :
فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
{النجم: 32 } أي لا تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم وبطهارة أنفسكم من المعاصي والرذائل ، وهذه الآية مثل قول الله تعالى :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
{النساء: 49 } ففي الآية الأولى نهي صريح عن مدح النفس والرفع من شأنها ، وفي الآية الأخرى إنكار شديد على من يفعل ذلك من اليهود وغيرهم .
يقول صاحب الظلال في تفسير قوله تعالى :
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى
{النجم: 32 } يقول:
هو العلم السابق على ظاهر أعمالهم ، العلم المتعلق بحقيقتهم الثابتة التي لا يعلمونها هم ، ولا يعرفها إلا الذي خلقهم ، علم كان وهو ينشئ أصلهم من الأرض وهم بعد في عالم الغيب ، وكان وهم أجنة في بطون أمهاتهم لم يروا النور بعد ، علم بالحقيقة قبل الظاهر وبالطبيعة قبل العمل ، ومن كانت هذه طبيعة علمه يكون من اللغو بل من سوء الأدب أن يعرفه إنسان بنفسه أو يثني عليها أمامه ، إذاً المقصود من هذه الآية النهي عن تزكية النفس بمدحها والثناء عليها لما في ذلك من مفسدة الرياء والكبر والتفاخر .
وأما قوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا
{الشمس: 9 } فمعناها كما قال أهل التفسير : قد فاز من أصلح نفسه وطهرها من الشرك والمعاصي وسائر أمراض القلوب والأخلاق الدنيئة ، ومما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله :
اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها .
وبذلك تعلم أنه لا تعارض بين الآيتين حتى يجمع بينهما لعدم تواردهما على معنى واحد .
والله أعلم .