الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فكثيراً ما نبه أهل العلم على خطورة مشاهدة القنوات الفضائية دون روية وتمحيص ، والحال الذي أنت فيه نتيجة للتفريط والتساهل في هذا الأمر ، فالواجب الحذر والتخلص من هذه الوسيلة والتوبة إلى الله تعالى مما سبق قال تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
{النور: 31 }
واعلم أن الواجب على المسلم أن يكون على يقين من كون القرآن حقاً وأنه كلام رب العالمين قطعاً ، أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم حقاً ، ولا يجوز أن تكون الشبهات التي ترد إليه من أي جهة كانت باعثاً له على الشك في إيمانه ، فإن هذا من الخطورة بمكان ، وباعث على الردة والعياذ بالله ، وراجع الفتوى رقم :
56097
، وإذا لم يكن لك علم ترد به هذه الشبهات ففوض العلم إلى الله تعالى ، وقل كما قال الله سبحانه عن الراسخين في العلم :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
{آل عمران: 7 }
وأما إذا كانت هذه الخواطر مجرد وساوس لم تستقر في القلب ، وتقوم بمدافعتها فإنها لن تضرك بإذن الله ، بل إن مدافعة الوساوس دليل صدق إيمان صاحبها ، وراجع الفتوى رقم :
7950
، وأما بخصوص ما أوردت هذه القناة من شبهات فيدخل ضمن القديم المتجدد من قبل أعداء الإسلام للطعن فيه والتشكيك في أصوله ومبادئه ، وهي محاولات يائسة قال تعالى :
وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
{البقرة:
217 } ثم إن جواب هذه الشبهات في النقاط التالية :
النقطة الأولى : أن المعاقبة بالمثل حال الاعتداء قد وضع أهل العلم لها ضوابط ، ومنها أن المحرم لا يحل الاقتصاص فيه بالمثل ، وراجع في هذا الفتوى رقم :
23483
، والفتوى رقم :
46548
.
النقطة الثانية : أن القرآن قد أنزل بلغة العرب ، ولهم أساليب في بلاغة الكلام يقصدون منه معاني حسنة ، ومن ذلك تطريب أذن السامع ، وشد انتباهه للتأثر بالكلام ، ومن هذه الأساليب التنويع في الخطاب بين استعمال ضمير المتكلم أو ضمير الغائب أو ضمير المخاطب واستخدام أحدهما مكان الآخر ، والانتقال من أحدهما إلى الآخر في السياق الواحد كما في قوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
وهذا كله بضمير الغيبة ، ثم قال بعده :
فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى
{طه: 53 }
ويبحث أهل العلم في الأسرار البلاغية في هذا التنوع في الخطاب ، فقد يدركون هذه الأسرار أو جزءاً منها ، ويعجزون عن إدراك بعضها ، ويبقى أن القرآن هو كلام الله المعجز الذي تحدى به العرب الفصحاء فعجزوا عن أن يأتوا بمثله .
وفي الآية المذكورة وهي قوله سبحانه :
عَسَى رَبُّهُ
{التحريم: 5 } ونحوها من الآيات التي يخبر فيها الله تعالى عن نفسه بأسلوب الغائب قد يكون المقصود التعظيم ، وهذا موجود في لغة العرب ، قال
الطاهر ابن عاشور
في تفسيره ( التحرير والتنوير ) عند قوله الله سبحانه :
وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ
{الزخرف: 77 } قال رحمه الله:
وتوجيه الأمر إلى الغائب لا يكون إلا على معنى التبليغ كما هنا ، أو تنزيل الحاضر منزلة الغائب لاعتبار ما مثل التعظيم في نحو قول الوزير للخليفة : لير الخليفة رأيه
.
اهـ وقد يكون ذلك لمعنى آخر غير ما ذكرنا ، والله أعلم .
النقطة الثالثة : أن الزلازل وغيرها من المصائب التي قد ينزلها الله على عباده ، قد تكون بلاء عليهم بسبب فسادهم كما قال تعالى :
وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ
{الشورى: 30 } فقد يعذب الكافر لكفره ، ويعذب المسلم لفسقه ومخالفته أمر ربه ، فيبغض منه هذا الفعل ويعاقبه عليه ، بل وقد ينزل العذاب فيعم الصالح والطالح عند كثرة الفساد ، وراجع الفتوى رقم :
43939
، ثم إن ما يصيب الكفار من زلازل وكوارث أعظم بكثير مما يصيب المسلمين ، وما إعصار كاترينا عن الناس ببعيد ، فماذا يقول أصحاب هذه القناة وغيرها من أبواق الكفر والضلال عن هذه الأعاصير وأمثالها والتي فيها مصداق قول الله تعالى :
وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
{الرعد: 31 } أما كان الأولى بأصحاب هذه القناة أن يلتفتوا إلى ما في أناجيلهم من تناقضات دالة على بطلان ما عليه النصارى من معتقدات ، فإذا أعملوا عقولهم ووقفوا مع نفوسهم وقفة تجرد لعلموا أنهم لا يملكون حجة صحيحة يثبتون بها مبادئهم فضلاً عن إبطال مبادئ غيرهم ، وراجع في بيان تحريف الإنجيل وأباطيل النصرانية الفتاوى بالأرقام :
10326
،
8210
،
2105
، وإننا لا نجد مثلاً لهؤلاء في محاولة نيلهم من الإسلام إلا كما يقول القائل :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وفي الختام نوصيك بأن تتقي الله تعالى وتحرص على دينك ، وأن تحذر ما قد يفسده عليك من مشاهدة أمثال هذه القنوات وغيرها ، وينبغي أن تحرص على العيش في بيئة صالحة تجالس فيها أهل العلم وتصاحب فيها الأخيار ، وأن تجتنب العيش في بيئة فاسدة تجالس فيها أهل الجهل والغفلة وتصاحب فيها الأشرار ، حفظ الله تعالى لك دينك وثبتنا وإياك على الحق حتى نلقاه .
والله أعلم .