الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن أهل العلم قد اختلفوا في ضابط الفرق بين النبي والرسول، على أقوال كثيرة، جاء في تفسير
الألوسي
:
واختلفوا هنا في تفسير كل منهما، فقيل: الرسول ذكر حر، بعثه الله تعالى بشرع جديد يدعو الناس إليه. والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل، الذين كانوا بين موسى وعيسى -عليهم السلام-.
وقيل: الرسول ذكر حر بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم، وإن لم يكن جديدًا في نفسه، كإسماعيل -عليه السلام-؛ إذ بعث لجرهم أولًا. والنبي يعمه، ومن بعث بشرع غير جديد كذلك.
وقيل: الرسول ذكر حر، له تبليغ في الجملة، وإن كان بيانًا وتفصيلًا لشرع سابق، والنبي من أوحي إليه، ولم يؤمر بتبليغ أصلًا.
وقيل: الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة كتابًا منزلًا عليه، والنبي غير الرسول من لا كتاب له.
وقيل: الرسول من له كتاب، أو نسخ في الجملة، والنبي من لا كتاب له، ولا نسخ.
وقيل: الرسول من يأته الملك -عليه السلام- بالوحي يقظة، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام لا غير.
وهذا أغرب الأقوال، ويقتضي أن بعض الأنبياء -عليه السلام- لم يوح إليه إلا منامًا، وهو بعيد، ومثله لا يقال بالرأي
. اهـ.
وقد رجحنا في الفتوى:
53449
أن النبي هو من لم يؤمر بالتبليغ، فإن أمر بالتبليغ، فهو رسول ونبي.
وأما قولك: "علمًا أن
إسماعيل
و
صالح
لم تنزل عليهما رسالة، إنما بلَّغا رسالة من قبلهم من الرسل؟"
فالظاهر أن مرادك أنهما -عليهما السلام- لم يبعثا بشرع جديد، لكن العبارة التي عبرت بها بقولك: (لم ينزل عليهما رسالة) موهمة.
فأما
إسماعيل
-عليه السلام-: فقد ذكر جمع من العلماء أنه كان على شريعة أبيه
إبراهيم
-عليه السلام-، ولم تكن له شريعة جديدة، واستدلوا بهذا على أن الرسول لا يلزم أن يكون مبعوثًا بشرع جديد، قال
البيضاوي
في تفسيره:
(وكان رسولا نبيا) يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته
. اهـ.
وأما
صالح
-عليه السلام-: فقد ذكر بعض العلماء أنه كان على شريعة
نوح
-عليه السلام-، جاء في كتاب تاريخ الأنبياء المنسوب
للخطيب البغدادي
:
لم يكن بعد نوح غير هود وصالح، وكانا على شرعة نوح -عليه السلام-، حتى كان إبراهيم -عليه السلام- فنسخ الله تعالى به شريعة نوح
. اهـ.
بينما صرح بعض العلماء بأن
صالحًا -
عليه السلام- له شريعة خاصة، قال
الطاهر بن عاشور
في تفسير قوله تعالى:
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ
{المؤمنون:42}:
القرون: الأمم، وهذا كقوله تعالى: وقرونا بين ذلك كثيرًا [الفرقان: 38]، وهم الأمم الذين لم ترسل إليهم رسل، وبقوا على اتباع شريعة نوح، أو شريعة هود، أو شريعة صالح، أو لم يؤمروا بشرع
. اهـ.
وفي حاشية
القونوي
على
البيضاوي
في تفسير قوله سبحانه:
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا
{الشمس:13}:
رسول الله، وهو صالح -عليه السلام- بمعنى: نبي الله؛ إذ لا كتاب له، إلا أن يقال له شرعًا جديدًا
. اهـ.
والله أعلم.