الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
فإذا كان الباعث لك على حفظ القرآن هو الحصول على الوظيفة؛ لأجل الاستفادة من السكن، ولولا ذلك لما حفظته -كما ذكرت-، فلا شك أن هذا داخل في الحديث الذي أشرت إليه:
مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يَعْنِي: رِيحَهَا. رواه
أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْن مَاجَه، والحاكم.
وهو أيضًا عملٌ من أجل الدنيا، وداخل في قول الله تعالى:
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
{هود:15-16}، قال
ابن كثير
:
مَنْ عَمِلَ صَالَحًا الْتِمَاسَ الدُّنْيَا، صَوْمًا أَوْ صَلَاةً أَوْ تهجدًا بالليل، لا يَعْمَلُهُ إِلَّا الْتِمَاسَ الدُّنْيَا، يَقُولُ اللَّهُ: أُوَفِّيهِ الَّذِي الْتَمَسَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَثَابَةِ، وَحَبِطَ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ الْتِمَاسَ الدُّنْيَا، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ...
اهـــ.
وفي الحديث:
فَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ
. رواه
أحمد، وابن حبان،
وقد بوّب الشيخ
محمد بن عبد الوهاب
في كتابه "التوحيد" بابًا، فقال:
بابٌ من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
. وذكر فيه الآية السابقة.
فعمل الطاعة من أجل تحقيق منفعة دنيوية، لولاها لما قام صاحبها بالعمل، يعتبر داخلًا في الشرك، وتجب منه التوبة إلى الله.
والذي نوصيك به -أيها السائل- هو: أن تحفظ القرآن تعالى بنية التقرب إلى الله عز وجل، وستنال به ثواب الدنيا والآخرة، فقد قال سبحانه وتعالى:
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
{النساء
:
134}، والمعنى -كما في فتح القدير ل
لشوكاني-
:
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا: هو مَنْ يَطْلُبُ بِعَمَلِهِ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ: فَمَا بَالُهُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَدْنَى الثَّوَابَيْنِ، وَأَحْقَرِ الْأَجْرَيْنِ، وَهَلّا طَلَبَ بِعَمَلِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ ثَوَابُ الدُّنْيَا والآخرة، فيحرزهما جَمِيعًا، وَيَفُوزُ بِهِمَا.
اهــ. وانظر للمزيد الفتوى رقم:
300781
، والفتوى رقم:
197723
.
والله تعالى أعلم.