الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
أولاً : فالذي دل عليه القرآن والسنة أن الجن مكلفون بالإيمان وبالشرائع ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إليهـم كما بعث إلى الإنس ، وأن الجن فيهم المؤمن والكافر ، والصالح والطالح ، وأن مصير المؤمنين منهم الجنة، وأن مثوى الكافرين النار .
قال الله تعالى :
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
{الأنبياء:
107}.
وقال تعالى :
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
{الذاريات:56}.
وقال تعالى :
يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ
{الأنعام:
130}.
وقد قص الله لنا خبر استماعهم وإنصاتهم للقرآن الكريم ، وانقلابهم إلى قومهم منذرين ، قال تعالى :
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ
*
قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
*
يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
[ الأحقاف : 29 - 31] .
وقال تعالى : (
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا
*
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا
[الجن : 1-2].
والدليل على أن فيهم المسلم والكافر ، والصالح والطالح هو قوله تعالى :
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا
[ الجن : 11] .
وقوله تعالى : (
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا
*
وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
[ الجن : 14 - 15] .
قال
القرطبي
رحمه الله في تفسير قوله تعالى :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ
[ الرحمن: 31].
هذه السورة و " الأحقاف" و " قل أوحي" دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء ، مؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم ، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك ،
انتهى .
لكن من أهل العلم من قال:
ليس للجن ثواب في الآخرة إلاّ أنهم يجارون من عذاب النار ثم يقال لهم : كونوا تراباً مثل البهائم
، وقد عزا
القرطبي
هذا القول
لأبي حنيفة
رحمه الله ، ثم قال
القرطبي
:
وقال آخرون : إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس ، وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى ، وقد قال الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون ، قال القشيري : والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء والعلم عند الله .
انتهى كلام
القرطبي
وهو في تفسير سورة الأحقاف .
وقد استنبط
القرطبي
رحمه الله في مواضع من تفسيره أنهم يدخلون الجنة كالإنس ومن ذلك قوله تعالى عن الحور العين في الجنة :
فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ
[الرحمن: 56].
وقوله تعالى:
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا
[الجن: 13] .
قال
ابن عباس
:
لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته
.
وقد احتج
البخاري
بهذه الآية وترجم في صحيحه فقال :
باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم
، وذلك في كتاب "بدء الخلق"
.
وذكر
الحافظ
في الفتح ما رواه
ابن أبي حاتم
من طريق
أبي يوسف
قال:
قال ابن أبي ليلى في هذا : لهم ثواب ، قال : فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: (ولكل درجات مما عملوا)
.
قال
الحافظ
:
وإلى هذا أشار المصنف ( البخاري) … واستدلّ بهذه الآية أيضاً ابن عبد الحكم ، واستدل ابن وهب في مثل ذلك بقوله تعالى: ( أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس) الآية . فإن الآية بعدها أيضاً : ( ولكل درجات مما عملوا) ونقل عن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب ولهم الثواب بقوله تعالى: ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) ثم قال ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) والخطاب للإنس والجن ، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين-، والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه - ثبت المطلوب والله أعلم
. انتهى كلام
الحافظ
.
وقد ساق الإمام
ابن القيم
الحجج المذكورة كلها وزاد عليها في مبحث قيم ضمن كتابه : "طريق الهجرتين" عند الحديث عن الطبقة الثامنة عشرة من طبقات المكلفين : طبقة الجن .
ثانياً : وينبني على ما سبق أنهم مكلفون بالحج وغيره من العبادات ، وقولك في السؤال : وهل يحجون مع الإنس في نفس التوقيت ؟ يجاب عنه بنعم ، فليس للحج إلا وقت واحد معلوم .
ثالثاً : قولك : وهل يرجمون إبليس ؟
اعلم وفقك الله ، أن المشروع في الحج هو رمي الجمار ، اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وهذا المكان الذي يرمى - وإن ذكرنا بحال خليل الله
إبراهيم
عليه السلام وهو يرجم الشيطان - إلا أنه الآن ليس شيطاناً ، ولم يرد في الكتاب أو السنة ما يفيد إطلاق هذا التعبير " رجم إبليس" وإنما الوارد : رمي جمرة العقبة والجمرة الصغرى والوسطى . لكن جاء عن
ابن عباس
رضي الله عنهما فيما رواه
الحاكم
و
البيهقي
بعد ذكر ما كان من
إبراهيم
عليه السلام ورجمه للشيطان :
الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون
.
وهو محمول - إن شاء الله - على الرجم المعنوي ، فإن الشيطان يؤذيه امتثال المؤمنين وطاعتهم ، مع ما يشتمل عليه رجم الجمار من التكبير والدعاء ، مما لا يود الشيطان سماعه.
وقد روى
أبو داود
في سننه من حديث
عائشة
قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "
إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله
" .
قال الشيخ
محمد الأمين الشنقيطي
في أضواء البيان في تفسير سورة الحج : [
فذكر الله الذي يشرع الرمي لإقامته هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان ، ورميه ، وعدم الاتقياد له ، والله يقول ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ) . [ الممتحنة : 4] . فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي أمرنا الله بها في قوله تعالى ( إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً ). [فاطر: 6] ، وقوله منكراً على من والاه : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو) . [ الكهف : 50] ومعلوم أن الرجم بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة
) انتهى .
رابعاً : قال بعض أهل العلم :
إن الجن ربما خالفوا الإنس في بعض التكاليف ، لاختلاف طبيعتهم عن طبيعة الإنس
.
قال الإمام
الزركشي
في البحر المحيط في أصول الفقه (1/
384)
وقد وقع نزاع بين المتأخرين في أن الجن مكلفون بفروع الدين ، فقال بعض محققيهم : إنهم مكلفون بها في الجملة لكن لا على حد تكليف الإنس بها لأنهم يخالفون الإنس بالحد والحقيقة ، فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف . مثاله أن الجن قد أعطى بعضهم قوة الطيران في الهواء فهو مخاطب بقصد البيت الحرام للحج طائراً ، والإنسان لعدم تلك القوة لا يخاطب بذلك ، هذا في طرف زيادة تكليفهم على تكليف الإنس ، فكل تكليف يتعلق بخصوص طبيعية الإنس ينتفي في حق الجن ، لعدم تلك الخصوصية فيهم . والدليل على تكليف الجن بالفروع الإجماع على أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بالقرآن إلى الإنس والجن ، وجميع أوامره ونواهيه يتوجه إلى الجنسين ، وقد تضمن ذلك أن كفار الإنس مخاطبون بها ، وكذلك كفار الجن
) انتهى كلام
الزركشي
.
والله تعالى أعلى وأعلم .