الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فصلاته في البيت صحيحة، ونرجو أن لا إثم عليه، والأفضل له أن يصلي في المسجد ليعمره، وقد قال تعالى:
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
{التوبة: 18}.
وفضل الصلاة في المسجد ليس منحصرًا في ثواب الجماعة، بل هناك فضائل أخرى:
منها: تحصيل ما يُعِدّهُ اللهُ تعالى لمن ذهب إلى المسجد من النُّزُلِ، كما جاء في الحديث:
مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ.
رواه
مسلم.
ومنها: رفع الدرجات، وحط السيئات بالخطوات إلى المسجد، كما في الحديث:
مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ؛ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا: تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى: تَرْفَعُ دَرَجَةً.
رواه
مسلم
.
فإذا دار الأمر بين أن يصلي في المسجد منفردًا، أو يصلي جماعة في غيره كالبيت، فإن للعلماء قولين في أيهما أفضل:
1) أولهما أن الأفضل أن يصلي جماعة في غير المسجد؛ لأن مراعاة فضل أداء العبادة نفسها جماعة أولى من مراعاة فضل مكان العبادة، قال الإمام
النووي
في المجموع:
الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِ الْعِبَادَةِ، وَتَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَذْهَبِ
- وذكر منها -
فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ لَيْسَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، فَصَلَاتُهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا فِي الْمَسْجِدِ
. اهــ .
2) وثانيهما أن المسجد أفضل؛ لعموم حديث:
فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَة.
رواه
مسلم.
جاء في حاشية
البجيرمي
:
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الِانْفِرَادَ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِيهَا فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ وَجِيهٌ
. اهـ.
وفي أسنى المطالب:
قَالَ الْمُتَوَلِّي: الِانْفِرَادُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا
. اهـ.
بل يرى بعض العلماء الموجبين لصلاة الجماعة في المسجد أنه يجب عليه أن يذهب للمسجد، ولو صلى وحده, فقد سئل الشيخ
ابن باز
- رحمه الله تعالى -
عن مسجد في منطقة نائية، لا يصلي فيه أحد، ويذهب إليه شخص يصلي فيه لوحده،
فقال: نوصيه بالاستمرار بأن يذهب إلى المسجد، ويؤذن؛ لعل الله يأتي بمن يصلي معه من المارة، أو من السكان، فإن لم يأت أحد صلى لوحده - والحمد لله - نوصيه بأن يستمر، وألا يصلي في البيت؛ لأن المساجد عمرت لهذا، وعلى المؤمن أن يذهب إلى المسجد، فإن وجد أحدًا، وإلا صلى وحده - والحمد لله - لا يجوز الصلاة في البيت، والمساجد موجودة
. اهــ من فتاوى نور على الدرب.
والله تعالى أعلم.