الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن الأصل في كراهة العلماء لمصافحة الكافر وتقبيله هو النصوص الناهية عن مودة الكفار وموالاتهم، كقوله تعالى:
لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
{المجادلة:22}.
وكذلك ما جاء من النهي عن بدء الكفار بالسلام، ولا ريب في أن المعانقة والتقبيل أعظم من مجرد الابتداء بالسلام، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى القول بكراهة مصافحة المسلم للكافر، إلا أن الحنفية استثنوا مصافحة المسلم جاره النصراني إذا رجع بعد الغيبة وكان يتأذى بترك المصافحة، وأما الحنابلة: فقد أطلقوا القول بالكراهة بناء على ما روي أن الإمام أحمد سئل عن مصافحة أهل الذمة، فقال: لا يعجبني ـ وذهب المالكية إلى عدم جواز مصافحة المسلم الكافر ولا المرأة، لأن الشارع طلب هجرهما ومجانبتهما، وفي المصافحة وصل مناف لما طلبه الشارع
. اهـ.
فمن كره مصافحة الكافر فكراهته لتقبيله أشد، ومن حرم مصافحة الكافر فتحريمه لتقبيله ومعانقته أظهر، وفي الإقناع
للحجاوي
:
وتكره مصافحته ـ أي: الكافر ـ وتشميته والتعرض لما يوجب المودة بينهما
. اهـ.
والتقبيل والمعانقة مما يوجب المودة ـ كما تقدم ـ وفي المغني
لابن قدامة
:
ولا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا بداءتهم بالسلام، لما روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق، فاضطروهم إلى أضيقها ـ أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنا غادون غدا، فلا تبدءوهم بالسلام، وإن سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم ـ أخرجه الإمام أحمد بإسناده عن أنس، أنه قال: نهينا، أو أمرنا، أن لا نزيد أهل الكتاب على وعليكم ـ قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: تكره أن يقول الرجل للذمي: كيف أصبحت؟ أو كيف حالك؟ أو كيف أنت؟ أو نحو هذا؟ قال: نعم، هذا عندي أكثر من السلام،
وقال أبو عبد الله: إذا لقيته في الطريق، فلا توسع له، وذلك لما تقدم من حديث أبي هريرة، وروي عن ابن عمر، أنه مر على رجل فسلم عليه، فقيل إنه كافر، فقال: رد على ما سلمت عليك، فرد عليه، فقال: أكثر الله مالك وولدك، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أكثر للجزية، وقال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبد الله، فقلت نعامل اليهود والنصارى، فنأتيهم في منازلهم، وعندهم قوم مسلمون، أسلم عليهم؟ قال: نعم، تنوي السلام على المسلمين، وسئل عن مصافحة أهل الذمة، فكرهه
. اهـ.
وراجع للفائدة الفتوى رقم:
36289
.
والله أعلم.