الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن كان المقصود بالتحكيم هو أن يتخذ المتنازعون شخصاً يحكم بينهم فهذا جائز بإجماع المسلمين. قال الله تعالى:
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً
[النساء:35]. ففي هذه الآية إثبات جواز التحكيم وقد استدل بها ابن عباس رضي الله عنهما. وقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
[النساء:58]. وقال تعالى:
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[النساء:65]. وقال تعالى:
فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
[المائدة:42]. وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
[المائدة:48]. وقال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ
[المائدة:95]. والآيات الدالة على ذلك كثيرة.
قال الإمام
البهوتي
في كشاف القناع:
(وهو) أي الصلح شرعاً (معاقدة يتوصل بها إلى موافقة بين مختلفين) -أي متخاصمين- وهو جائز بالإجماع، لقوله تعالى:
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
[الحجرات:9]. وقوله:(والصُّلّحُ خَيْرٌ) ولحديث
أبي هريرة
مرفوعاً:
والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً.
رواه
أبو داود والترمذي
وقال: حسن صحيح وصححه الحاكم.
انتهى.
وهذا الحكم والصلح يشترط فيه - كما في الحديث - ألاَّ يحل حراماً أو يحرم حلالاً. فإن أحل حراماً أو حرم حلالاً فهو باطل لا يجوز قبوله.
والله أعلم.