الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فنقول ابتداء إن الفقهاء مختلفون في صحة صلاة من انكشف شيء يسير من عورته في الصلاة، فمنهم من أبطلها ومنهم من لم يبطلها.
قال الحافظ
العراقي
في طرح التثريب:
فَمَتَى انْكَشَفَ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لَا يَضُرُّ انْكِشَافُ شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الْعَوْرَةِ.
اهــ.
وقَال
النَّوَوِيُّ
:
فَإِنِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَةِ الْمُصَلِّي لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ سَوَاءٌ أَكَثُرَ الْمُنْكَشِفُ أَمْ قَل ، وَلَوْ كَانَ أَدْنَى جُزْءٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَسْتُرْهَا فِي الْحَال. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ انْكِشَافُ يَسِيرٍ مِنَ الْعَوْرَةِ بِلاَ قَصْدٍ ، وَلَوْ كَانَ زَمَنُ الاِنْكِشَافِ طَوِيلاً ... إلخ.
اهــ. والقول بعدم البطلان نسب أيضا لأكثر أهل العلم.
قال شيخ الإسلام:
إذَا انْكَشَفَ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ شَعْرِهَا وَبَدَنِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا الْإِعَادَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد.
اهــ .
والاختلاف في الفتويين اللتين أشارت إليهما السائلة سببه أن من أجاب في الفتوى الأولى ببطلان الصلاة أخذ بقول طائفة من أهل العلم كما في الفتوى رقم:
137667
, ومن أجاب بصحتها أخذ بالقول الآخر كما في الفتوى رقم:
115118
, مع التنبيه إلى أمرين :
أولهما : أن الفتوى التي قالت بعدم بطلان الصلاة روعي فيها حال السائلة حيث إنها مصابة بشيء من الوسوسة فأفتيت بما فيه تيسير عليها وعلاج لحالها .
ثانيا : أن الحنابلة القائلين بعدم بطلان الصلاة بانكشاف اليسير يقيدونه بعدم التعمد على ما رجحه كثير منهم كما قال صاحب الروض " ...
لم يفحش المكشوف ولو طال الزمن لم يعد إن لم يتعمده
.. " اهــ. وكذا الحنفية القائلون بالعفو عن انكشاف يسير العورة يعللونه بالضرورة كما قال في البحر الرائق "
قَلِيلَ الِانْكِشَافِ عَفْوٌ عِنْدَنَا لِلضَّرُورَةِ.
اهــ.
وجاء في الموسوعة الفقهية:
سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِسَتْرِهَا ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلاَنِ صَلاَةِ مَنْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ فِيهَا قَصْدًا
... " اهــ .
وإذا كانت الفتوى التي أشرت إلى أننا ذكرنا فيها صحة صلاة من صلت كاشفة الرقبة والذقن هي الفتوى رقم:
121534
، فإنك إذا عدت إليها بتأمل عرفت أنه ليس فيها ما يخالف سائر فتاوانا
والله أعلم.