الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا شك أن تقوى الله تعالى تحمل صاحبها على التحري والاحتياط لدينه, فتجده يجتنب الشبهات خوفا من الوقوع في الحرام , ويدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس . وهذا لا يخرج عن معنى الورع المحمود .
وأما التشدد المذموم فإنما يكون بتحريم الحلال , أو تركه تعبدا , أو التعبد بما ليس عبادة كما سبق بيانه في الفتوى رقم :
47304
.
ويكون بالمبالغة في التعبد بأن يأخذ العبد من الفضائل ما لا يطيق , فدين الله يسر , وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة , وعن
عائشة
رضي الله عنها أنها قالت :
سئل
ال
نبي صلى الله عليه وسلم
أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : أدومها وإن قل .
وقال :
اكلفوا من الأعمال ما تطيقون
. رواه
البخاري ومسلم
. وقال أيضا
صلى الله عليه وسلم
:
إن الدين يسر , ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه , فسددوا وقاربوا وأبشروا
. رواه
البخاري
.
قال
ابن حجر
:
والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب . قال ابن المنير : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة , فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع وفي حديث ابن الأدرع عند أحمد : إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة , وخير دينكم اليسرة . وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية , فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع
.اهـ
ومما يذم أيضا : حصول الوسوسة التي تحمل صاحبها على التنطع والتكلف , وتوقعه في المشقة الزائدة والحرج المنفي في الشريعة , فقد قال الله تعالى :
هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج.
(الحج :78) . وقال سبحانه :
ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج.
( المائدة:6) . وقال عز وجل :
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.
( البقرة:
185) . ولا شك أن هذه الوسوسة التي تحمل صاحبها على العنت والحرج مذمومة شرعا وعقلا . وأن العبد إذا فتح على نفسه هذا الباب فإن الشيطان يلبس عليه ويصرفه عن أداء حقوق واجبة ويحمله على تضييع حدود قائمة, وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم
:
هلك المتنطعون -
قالها ثلاثا-
رواه
مسلم
.
قال
النووي
:
أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم
.
والمقصود من بيان صور التشدد المذموم أن تقف السائلة على حقيقة حالها , فإن كان ما توصف به خارجا عن هذه الأنواع , ولا يعدو حدود التقوى والورع الذي صدرنا به الكلام , فحالها محمود , وعليها أن تصبر على سخرية من حولها . وأما إن كانت واقعة في صورة من صور هذا التشدد فعليها أن تجتنبها وأن ترفق بنفسها وبمن حولها .
ونسأل الله تعالى أن يهديك لأرشد أمرك , وأن يرزقك الاستقامة على سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه . وراجعي للفائدة الفتاوى ذوات الأرقام التالية :
24800
,
15186
,
60661
,
109600
.
والله أعلم .